مجموعة مؤلفين

373

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

وأهل البؤسى والزمني ، فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا ، واحفظ للهّ ما استحفظك من حقهّ فيهم » « واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك ، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه للهّ الذي خلقك ، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من احراسك وشرطك حتى يكلّمك متكلّمهم غير متتعتع ، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم يقول في غير موطن : « لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقهّ من القوي غير متتعتع » . ويرى الإمام علي عليه السّلام على أن العمل مقرون بالإيمان بل هو مقياسه فيقول : « المؤمن بعمله » و « العمل رفيق المؤمن » . انهّ يقدر العمل حقّ قدره ويعرف بأن للعمل دعائم وقوائم لا يقوم إلّا بها : فيقول : « العلم يرشدك ، والعمل يبلغ بك الغاية » . ومن حكمة الإمام عليه السّلام أن قال في نفس الرسالة التي سبق ذكرها : « ثم أنظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا ، ولا تولّهم محاباة وأثرة ، فإنها جماع من شعب الجور والخيانة . وتوخّ منهم أهل التجربة والحياء ، من أهل البيوت الصالحة ، والقدم في الإسلام المتقدمة ، فإنهم أكرم أخلاقا ، وأصحّ أعراضا ، وأقل في المطامع اشراقا ، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا » . وهكذا يوصي الإمام للارشاد والتوجيه في مهمة اختيار العمّال ، ولا شك في إنهّ لو توصل الأمراء والرؤساء إلى تبنّي هذه النظرية الرشيدة في انتقاء من يتولون الأعباء في الدول والمناصب والوزارات والمصانع والمعامل ، لساد الأمن والسلام والاستقرار في كلّ أرجاء المعمورة . ولو أن أرباب الأعمال توخّوا وصايا الإمام علي عليه السّلام ونصائحه في تقييم أجور عمّالهم لخمدت نار التوترات والاضطرابات الاجتماعية ، ولا نطفأت نيران وشرارات القنابل المسيلة للدموع التي تتناثر بين رجال البوليس والعمّال في حالة الإضرابات المتعاقبة والمقاطعات المترددة عن المصانع والمعامل ، طلبا لاسترداد حقوقهم المغتصبة من طرف أولئك الذين يمتصون دماءهم ويستغلون مهارتهم وقوتهم ، ولا يدفعون إليهم مقابل ذلك ما يسدون به رمقهم ، ويشبعون به جوع عوائلهم . . . بينما أمرهم الإمام عليه السلام في ذلك قائلا : « . . . ثم أسبغ عليهم الأرزاق ، فان ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجة عليهم ان خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك » ثم بعد مراقبة اللّه الذي يرانا وان لم نكن نراه ، يوصي الإمام عليه السّلام بضرورة مراقبة العامل مراقبة لا تتنافى مع الانسانية والبشرية السمحاء : « ثم تفقد أعمالهم ، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة ، والرفق بالرعية . وتحفظ من الأعوان ، فإن أحد منهم بسط يده إلى